كتب مدى مصر أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير الخارجية بدر عبد العاطي يتوجهان إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت تتسع فيه قائمة الأزمات الإقليمية التي تضع مصر في قلب مشهد سياسي وأمني بالغ التعقيد، من الحرب في السودان والتوترات مع إيران إلى أزمة البحر الأحمر ومضيق باب المندب وتعثر المسار الدبلوماسي بشأن غزة.
ونشر موقع مدى مصر تقريرًا يرصد التحركات المصرية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، موضحًا أن رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي كلف مدبولي للعام الثاني على التوالي برئاسة الوفد المصري، بينما يتولى عبد العاطي الجزء الأكبر من التحركات والرسائل السياسية المصرية عبر سلسلة مكثفة من الاجتماعات والمباحثات في نيويورك.
وتأتي المشاركة المصرية في ظل تصاعد التوترات في المنطقة، بعدما سيطرت جماعة الحوثيين على مناطق رئيسية تطل على مضيق باب المندب، ما أدى إلى تجدد القتال في اليمن، بالتزامن مع تصاعد التوترات في إقليم تيجراي الإثيوبي، واستمرار الحرب في السودان، وتصاعد مخاطر المواجهة مع إيران، وأزمة النفط المرتبطة باستمرار إغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى تعثر المسار الدبلوماسي الخاص بقطاع غزة.
مدبولي يمثل مصر.. وعبد العاطي يقود التحرك الدبلوماسي
قاد السيسي وفود مصر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بنفسه خلال الفترة من 2014 إلى 2019، قبل أن يختار منذ ذلك الحين إرسال وزير الخارجية ممثلًا عنه، بدءًا من سامح شكري، الذي شغل المنصب بين عامي 2014 و2024، وصولًا إلى بدر عبد العاطي.
وبحسب مسؤول حكومي نقل عنه التقرير، يرتبط قرار السيسي بعدم ترؤس الوفد المصري شخصيًا هذا العام برغبته في عدم المشاركة بصورة شخصية في اجتماعات مجلس السلام، رغم أن غزة تتصدر جدول أعماله باعتبارها قضية محورية بالنسبة إلى مصر.
وقال المسؤول إن المجلس لا يزال عاجزًا عن اتخاذ خطوات جادة لتحسين أوضاع الفلسطينيين على الأرض، رغم مرور عام كامل على اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل، عقب عامين من الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو ما يمثل مصدر إحراج عميق للقاهرة.
ويترأس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجلس السلام الذي تأسس في وقت سابق من العام، فيما اختير الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف مبعوثًا للمجلس إلى قطاع غزة.
وبحسب عضو في اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي الهيئة التي أنشأها مجلس السلام لتحل محل إدارة حماس، فإن المجلس عاجز حتى عن الحصول على موافقة إسرائيل على دخول اللجنة إلى القطاع، أو السماح بخروج نحو 10 آلاف شخص اختيروا للتدريب في مصر للعمل ضمن قوة شرطة فلسطينية تحل محل شرطة حماس، رغم إعلان الحركة استعدادها للتخلي عن أسلحتها.
ومع استمرار القاهرة في الحفاظ على قنوات الاتصال الرسمية وغير الرسمية مع تل أبيب للتعامل مع الوضع في غزة، وفق مصدر مطلع بصورة مباشرة على العلاقات المصرية الإسرائيلية، لا يعني ذلك مشاركة رئيس الحكومة شخصيًا في اجتماعات مجلس السلام، في ظل محدودية فاعلية المجلس.
ولذلك قاد مدبولي وفد مصر في اجتماعات مجلس السلام التي ناقشت الوضع في غزة الأربعاء.
وفي المقابل، تولى عبد العاطي الجزء الأكبر من الرسائل السياسية المصرية خلال زيارة نيويورك، إذ وصل وزير الخارجية إلى المدينة في 19 سبتمبر، أي قبل مدبولي بيومين، ومن المقرر أن يعود إلى القاهرة الأسبوع المقبل.
السودان وسد النهضة.. أولويات مصر في الأمم المتحدة
يركز عبد العاطي خلال لقاءاته في نيويورك على عدد من الملفات الرئيسية، يأتي في مقدمتها السودان.
وتسعى مصر إلى تمديد قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بحظر الأسلحة المفروض على دارفور، دون توسيع نطاقه ليشمل كامل الأراضي السودانية، وهو المقترح الذي دفعت الولايات المتحدة باتجاهه في وقت سابق من الشهر، قبل أن يقرر مجلس الأمن الإبقاء على الوضع القائم لمدة شهر واحد.
ويحرص الجانب المصري على عدم الدخول في مواجهة دبلوماسية مع الولايات المتحدة، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى إقناع الأطراف الدولية بأن توسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان بأكمله سيعني مساواة «الجيش الوطني السوداني» بـ«ميليشيا قوات الدعم السريع»، بحسب دبلوماسي مصري.
وأوضح الدبلوماسي أن الموقف المصري لا يعكس فقط دعم القاهرة للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، بل ينطلق أيضًا من رفض مصر القاطع السماح لأي طرف بإضعاف الجيش الوطني، باعتبار أن ما يطال السودان يمكن أن تكون له تداعيات على دول أخرى.
وتشمل مباحثات عبد العاطي بشأن السودان كذلك المفاوضات الجارية حول هدنة إنسانية، والتي بدأت في وقت سابق من العام دون أن تحقق نتائج حاسمة حتى الآن.
ويرى دبلوماسي مصري آخر أن الهدنة التي اقترحتها الأمم المتحدة تكرس تصورًا غير مقبول عن التكافؤ بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهو موقف يتعارض مع السياسة المصرية.
وأكد الدبلوماسي أن مصر تؤيد التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان، مشيرًا إلى أن البرهان اقترح تعديلات على الخطة، من بينها بنود تنظم وجود قوات الدعم السريع وضمانات تكفل مشاركة الدولة السودانية في التخطيط للهدنة ومراقبتها.
ويواجه الموقف المصري مقاومة من الإمارات، الشريك الاقتصادي الرئيسي لمصر، في ظل خلافات عميقة بشأن الدعم العسكري الإماراتي المباشر لقوات الدعم السريع، وكذلك دعم أبوظبي لحركات انفصالية في الصومال، ولا سيما أرض الصومال.
ويرى دبلوماسيون مصريون أن أبوظبي تسعى، بالتعاون مع إسرائيل، إلى تعزيز حضورها على ساحل البحر الأحمر بما يخدم مصالح تجارية وسياسية مشتركة.
وتتعامل القاهرة بحذر شديد مع خلافاتها مع أبوظبي بشأن السودان والصومال، خصوصًا في ضوء ما وصفه أحد الدبلوماسيين بالتدخل الإماراتي المعقد في إثيوبيا.
ويشمل ذلك مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر عبر أرض الصومال، وهو ما ترفضه مصر، فضلًا عن دعم الإمارات خططًا إثيوبية لبناء سدود جديدة على النيل الأزرق، المصدر الرئيسي للمياه في مصر.
ويقر دبلوماسي مصري بصعوبة التحرك في هذا الملف، خصوصًا بسبب الدور الإماراتي الذي «يفتح أبوابًا لإثيوبيا في واشنطن»، إلى جانب نشاط «مجموعة أفريقيا» في الكونجرس الأمريكي، التي تتحرك ضد مصر مدفوعة بسردية إثيوبية تصور القاهرة دولة لا تولي أفريقيا اهتمامًا وتسعى إلى فرض نفوذها التاريخي جنوبًا.
ولا تتوقع مصر حاليًا أن تنحاز الإمارات أو السعودية، باعتبارهما من أبرز المستثمرين في إثيوبيا، إلى جانبها في مواجهة ما وصفه الدبلوماسي بـ«طموحات حكومة آبي أحمد التوسعية في ملف المياه».
ويرى الجانب المصري أن الولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لممارسة ضغط حقيقي على أديس أبابا، بل على العكس، تتزايد مؤشرات الانفتاح الأمريكي على إثيوبيا.
وتسعى القاهرة حاليًا، بالتنسيق الوثيق مع السودان ومن خلال الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، إلى التأكيد على ضرورة عدم بناء أي سدود إضافية على النيل الأزرق دون التوصل إلى تفاهمات مع دول المصب.
وتتفق مصر والسودان، باعتبارهما دولتي المصب، على أن سد النهضة الإثيوبي الكبير يؤدي إلى تقليص حصتيهما من المياه وفق الاتفاقيات الدولية المبرمة في أوائل القرن العشرين.
وتقول إثيوبيا إن تلك الاتفاقيات تعود إلى الحقبة الاستعمارية وتسعى إلى تجاوزها، بينما تتمسك مصر بأن الالتزام القانوني بها يتجاوز تلك الحقبة، وأن القانون الدولي يلزم دول المنبع بالتنسيق مع دول المصب، خصوصًا عندما تعاني الأخيرة من ندرة المياه.
إيران وباب المندب.. مصر تبحث ضمانات دولية لخفض التصعيد
إلى جانب السودان وسد النهضة، تسعى مصر إلى بناء توافق دولي حول ضمانات تنهي حالة «لا حرب ولا سلام» بين إيران والولايات المتحدة، في ظل تداعياتها المتزايدة على أمن المنطقة.
وأدت حالة الجمود إلى تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصًا في اليمن، حيث وسعت جماعة الحوثيين سيطرتها على الساحل الغربي للبلاد المطل على مضيق باب المندب، الذي يمثل شريانًا حيويًا لحركة التجارة المتجهة عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط.
وبحسب مسؤول حكومي مصري حالي ومصدر دبلوماسي يمني، تلقت القاهرة تطمينات مباشرة من الحوثيين بعدم نيتهم إغلاق مضيق باب المندب، كما تعهدوا بعدم استهداف السفن المتجهة إلى قناة السويس، باستثناء السفن السعودية، على خلفية دعم الرياض لخصومهم المحليين، أي الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
لكن المسؤول الحكومي حذر من أن هذه التعهدات قد تفقد معناها سريعًا إذا خرج الوضع عن السيطرة وشنّت واشنطن ضربات عسكرية مكثفة على إيران، مع التأكيد على أن تحركات الحوثيين لا تخضع بالكامل للقرار الإيراني.
وبحسب ثلاثة مصادر دبلوماسية عربية تحدثت من نيويورك مساء الأربعاء، تراجعت احتمالات تجدد الضربات العسكرية الأمريكية على إيران، على الأقل في المدى القريب، رغم عدم استبعاد احتمال اتخاذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوة مفاجئة لا تستطيع البعثة الدبلوماسية الأمريكية في نيويورك التنبؤ بها.
وناقش ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خفض التصعيد مع إيران خلال لقائهما الاثنين، فيما أضاف دبلوماسي مطلع على المباحثات أن النقاش تناول أفكارًا أولية يبدو ترامب مستعدًا لدراستها، بينما تناقش فرنسا هذه الأفكار مع الإيرانيين عبر قنوات مختلفة بهدف خفض التوتر.
وقد ينعكس أي تقدم في هذا المسار إيجابًا على الوضع في إيران، وبالتالي على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي تحول إلى بؤرة توتر منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كما قد يمنع امتداد التوتر إلى مضيق باب المندب.
وقال مصدر من باريس إن أوروبا تقف على أعتاب فصل الشتاء، ولا يستطيع العالم تحمل استمرار اضطراب مرور ناقلات النفط بأمان عبر مضيق هرمز، أو توقف شحنات النفط السعودية نتيجة التوترات في اليمن وتداعياتها المحتملة على باب المندب.
وشارك عبد العاطي يوم الثلاثاء في اجتماع «الرباعي الإقليمي» الذي يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، لبحث مقترحات تركز بصورة أساسية على تقديم ضمانات دولية لطهران ضد الضربات العسكرية، مقابل ضمان مرور السفن بأمان ودون رسوم عبر مضيق هرمز.
وبحسب مصدر في نيويورك، دعم اجتماع الرباعي أفكارًا مختلفة لمعالجة الأزمة، إلى جانب أزمة الهجمات الصاروخية الحوثية على السعودية التي عطلت صادرات النفط السعودية.
وأضاف المصدر أن الاجتماع بحث بصورة طبيعية تقديم أشكال مختلفة من الدعم للسعودية، لكنه لا يشمل إرسال أي من الدول المشاركة قوات برية إلى اليمن لمواجهة الحوثيين.
وينطبق ذلك على تركيا وباكستان، حليفتي السعودية بموجب اتفاق الدفاع في مكة، وكذلك مصر، التي رفضت الانضمام إلى التحالف الدفاعي، لكنها ترتبط بمصالح اقتصادية كبيرة مع السعودية ودول الخليج العربية الأخرى.
وتشكل ودائع الدول الخليجية لدى البنك المركزي المصري ركيزة أساسية من ركائز احتياطيات مصر من النقد الأجنبي، وهو ما يفسر حرص القاهرة على الحفاظ على توازن دقيق بين حساباتها الأمنية والسياسية من جهة، ومصالحها الاقتصادية والإقليمية من جهة أخرى.
https://www.madamasr.com/en/2026/09/26/feature/politics/with-region-in-turmoil-madbuly-abdel-atty-go-to-unga/

